الشيخ الطوسي

288

الغيبة

يا هذا يرحمك الله إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا ، ولا أهملهم سدى ، بل خلقهم بقدرته ، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبابا ، ثم بعث إليهم النبيين عليهم السلام مبشرين ومنذرين ، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته ، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم ، وأنزل عليهم كتابا ، وبعث إليهم ملائكة يأتين ( 1 ) بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم ، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ، والآيات الغالبة . فمنهم من جعل النار عليه بردا وسلاما واتخذه خليلا ، ومنهم من كلمه تكليما وجعل عصاه ثعبانا مبينا ، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ ، ثم بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ، وتمم به نعمته ، وختم به أنبياءه ، وأرسله إلى الناس كافة ، وأظهر من صدقه ما أظهر ، وبين من آياته وعلاماته ما بين . ثم قبضه صلى الله عليه وآله وسلم حميدا فقيدا سعيدا ، وجعل الامر [ من ] ( 2 ) بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا واحدا ، أحيى بهم دينه ، وأتم بهم نوره ، وجعل بينهم وبين إخوانهم ( 3 ) وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقانا ( 4 ) بينا يعرف به الحجة من المحجوج ، والامام من المأموم . بأن عصمهم من الذنوب ، وبرأهم من العيوب ، وطهرهم من الدنس ، ونزههم من اللبس ، وجعلهم خزان علمه ، ومستودع حكمته ، وموضع سره ، وأيدهم بالدلائل ، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ولادعى أمر الله عز وجل كل أحد ، ولما عرف الحق من الباطل ، ولا العالم من الجاهل .

--> ( 1 ) في نسخ " أ ، ف ، م " بائن . ( 2 ) من نسخ " أ ، ف ، م " . ( 3 ) في نسخ " أ ، ف ، م " إخوتهم . ( 4 ) في نسخ " أ ، ف ، م " فرقا .